الخميس 16 ربيع الأول / 14 نوفمبر 2019
10:30 م بتوقيت الدوحة

صناعة التاريخ.. قيس سعيد في الطريق! (1-2)

أسامة عجاج

الخميس، 17 أكتوبر 2019
صناعة التاريخ.. قيس سعيد في الطريق! (1-2)
صناعة التاريخ.. قيس سعيد في الطريق! (1-2)
إفريقيا على موعد مع الأخبار السعيدة. هذا الأسبوع فقط، بدأ بإعلان فوز رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام، وهي من المرات القليلة التي تُمنح لمسؤول لم يمر على وجوده في السلطة سوى أقل من عامين، حيث بدأ مهمته في مارس من العام الماضي، وهي فترة زمنية محدودة مقارنة برؤساء يخرجون من قصورهم إلى القبور؛ مما يشير إلى قدرة متميّزة على التغيير إلى الأفضل، وتحقيق إنجازات ضخمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فرضت نفسها على المسؤولين عن جائزة بحجم نوبل للسلام.

وعلى الصعيد نفسه في دولة عربية تحولت خلال السنوات الثماني الماضية إلى نموذج يُحتذى به، إلى حلم تتوق إليه شعوب المنطقة، يُعلن عن فوز رجل القانون قيس سعيد برئاسة الجمهورية التونسية وبأغلبية كبيرة تتجاوز الثلثين، ليكون الرئيس السابع لبلاده. وهو بصفته شخصاً وحملة وتحرّكاً ومواقف، ينبئ عن نموذج جديد للرؤساء في المنطقة، يسعى إلى تعزيز دولة القانون، والحفاظ على الحريات العامة. ونجاحه في مهمته يمثّل أمل الشعوب في حسن اختياراتها، وفي قدرتها على الفرز، والبحث عن شخصيات خارج الصندوق الحزبي والسياسي.

والأمر يحتاج إلى مزيد من التفاصيل، ورصد ظاهرتي آبي أحمد في إثيوبيا وقيس سعيد في تونس.. ولنبدأ بالأخير.
الرجل -قيس سعيد- في كل الأحوال «استثناء في تاريخ العرب» لمرشحي الرئاسة؛ فقد أكّد أكثر من مرة أنه «لا يبيع الوهم للشعب التونسي»، وبرنامجه كان واضحاً لم يحمل وعوداً انتخابية كما جرت العادة، ويعتقد نهاية عهد الحملات الانتخابية القائمة على وعود بالتخفيض في أسعار المواد أو توفير فرص عمل أو زيادة الدخول؛ فالمقاييس -كما قال- تغيّرت، والشعب هو من يحدّد البرنامج؛ لأنه أصل السلطة، والسيادة له. وما يطرحه هو مشروع يمكّن التونسيين من الفعل السياسي، ويعيد إليهم السلطة التي سُلبت منهم؛ فهو يكتفي بدور «المنظّم» و»المنفّذ» لرغبات الجماهير، لمطالبهم، لطموحاتهم، لتطلّعاتهم، لنظرتهم إلى حاضرهم ومستقبلهم. هو هنا ليس بديلاً عن الشعب، أو فوقه؛ الرجل بشكل أو بآخر جاء من خارج الطبقة السياسية التونسية، وهناك من يحمّلها مسؤولية كل ما جرى هناك من أزمات اقتصادية وسياسية؛ فهو شخصية خارج نظام الحكم والسياسيين، وهو أكثر قرباً من المواطن العادي؛ فهو يسكن بينهم، خاطبهم مباشرة، فاختاروه بعد أن ملّوا من نظام الحكم وممثليه في الحقب الماضية. وجاء إلى ميدان السياسية من الجامعة؛ فهو أستاذ للقانون الدستوري. واحتار التونسيون في تصنيفه أيديولوجياً؛ فثمة من قال عنه إنه إسلامي محافظ رغم أن خطاباته لا تستند إلى مرجعيات دينية وعقائدية إطلاقاً، وأشار آخرون إلى أنه محسوب على اليسار، وهو في كل الأحوال حريص على استقلاليته، ويعدّ مثل هذه التصنيفات بالية بائسة تجاوزها الزمن؛ فالعالم دخل مرحلة جديدة ويحتاج إلى آليات جديدة؛ ولهذا كان حريصاً على تمسّكه باستقلاليته السياسية، حيث رفض حتى وقت قريب قبل الاقتراع التحالف مع أي حزب سياسي.

وهو نموذج مختلف للرؤساء؛ فهو لا يحب البروتوكولات، وأعلن أنه لن يسكن في قصر قرطاج، ولن تكون زوجته القاضية «سيدة تونس الأولى»، وأنه يريد أن يعيش مواطناً تونسياً بسيطاً كما هو. وما زال التونسيون يتذكرون رفضه منحة الدولة التي تقدّمها للمترشحين من أجل الإنفاق على الحملة الانتخابية، وقال جملته الشهيرة: «أرفض؛ فهذا مال الشعب»، واعتمد على مجهودات ذاتية قادها مجموعة من الشباب. كما أوقف حملته الانتخابية ما لم يُفرج عن منافسه بجولة الإعادة نبيل القروي وتُتاح الفرصة كاملة له لخوض الانتخابات بنزاهة وشرف.
الأمور أمام الرئيس الجديد ليست وردية، والتحديات كبيرة؛ ولكنه يملك مواجهتها. فإذا كان يفتقد ظهيراً سياسياً مهماً مثل «النهضة» أو باقي الأحزاب التي دعمته في جولة الإعادة، فإنه يملك الشارع والجماهير في تونس. العقبات أمامه متنوعة، ولعل أهمها موقفه من التطبيع مع إسرائيل الذي قد يثير أمامه المشاكل؛ ولكن مهمته ليست مستحيلة. وإذا نجح الرجل -وهو يملك المقوّمات- فنحن أمام نموذج تونسي قابل للاستنساخ في دول عديدة. فهل يفعلها؟ نتمنى!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.