الأربعاء 22 شوال / 26 يونيو 2019
09:38 م بتوقيت الدوحة

الأصفر ودرجاته الخمسون (2-2)

الأصفر ودرجاته الخمسون      (2-2)
الأصفر ودرجاته الخمسون (2-2)
يرجع جزء من التفسير لما حدث في فرنسا، إلى التركيبة السكانية (الديموغرافية): فبفِعل الشيخوخة السكانية وارتفاع عدد الأسر المكونة من شخص واحد أو والد وحيد (أو والدة وحيدة) ازداد عدد وحدات الاستهلاك وانخفضت قدرة الأسر الشرائية على المستوى الفردي. وجزء آخر من التفسير اجتماعي: فقد ارتفعت معايير استهلاك الطبقة المتوسطة ــ الهواتف المحمولة، والعشاء في المطاعم، وعطلات الشواطئ ــ بما يتماشى مع دخل الأثرياء وأصبح من الصعب على المنتمين إلى الطبقة المتوسطة تحمل هذه التكاليف. وجزء آخر جغرافي: فمنذ عام 2000، كان أداء المناطق الحضرية على خير ما يرام، في حين كانت المدن الأصغر حجما تناضل. فقد ارتفعت أسعار المساكن في المناطق الحضرية لكنها انخفضت في المدن الصغيرة، الأمر الذي جعل أصحاب المساكن في المدن الصغيرة أكثر فقرا. لا عجب إذا أن يكون عدد السترات الصفراء في المدن التي يقل سكانها عن خمسين ألف نسمة أكبر كثيرا من عددها في ليون أو تولوز.
القضية الأكثر عمقا هنا هي أن العديد من أبناء الطبقة المتوسطة يشعرون بأن العقد الاجتماعي قد انكسر. ففي الماضي كانوا يعتقدون أن ارتفاع مستويات التعليم من شأنه أن يجلب وظائف أفضل، ودخلا أعلى، وازدهارا أكبر، وحراكا اجتماعيا صاعدا لأبنائهم. لكن النمو أصبح أكثر شحا من أن يكفي لتوليد زيادات كبيرة في الدخل، وأصبحت وظائف الطبقة المتوسطة مهددة بفِعل الثورة الرقمية، ويبدو التنافس على الوصول إلى أفضل المدارس منحرفا بشكل متزايد لصالح أولئك الذين يحتلون القمة بالفعل. وساعد التشاؤم الفرنسي العميق الجذور على تعزيز قلق أبناء الطبقة المتوسطة.
الواقع أن ماكرون توصل إلى التشخيص الصحيح. فقد تحدث عن تدهور أحوال الناس وحرمانهم من الفرص. وكان يريد إطلاق العنان للنمو، وتعزيز القدرة على التنقل، وتعزيز المساواة في القدرة على الوصول إلى الفرص. وقال محقا إن الحل من غير الممكن أن يكون في زيادة الضرائب وتعزيز الإنفاق الاجتماعي مع ارتفاع الإنفاق العام إلى مستوى أكبر كثيرا مقارنة بدول أخرى متقدمة. لكن ماكرون استهان بحجم التغيير في المنظور الذي كان ينادي به، كما فشل في الاستجابة لمطالب الإنصاف في تصميم الإصلاحات. وأكسبته أولى خطواته ــ خفض الضرائب على الثروة والمكاسب الرأسمالية ــ لقب «رئيس الأغنياء». وناهيك عن أن هذه الضرائب استحوذت في بعض الأحيان على كل الدخل الرأسمالي الحقيقي، أو أنه في ضوء قيود الميزانية كان القرار بخفض الضرائب مسبقا ثم تقديم التخفيضات الضريبية للطبقة المتوسطة في نهاية المطاف عقلانيا من الناحية الاقتصادية، فقد اعتُبِر أن ماكرون على الصعيدين السياسي والاجتماعي يخدم مصالح الأثرياء.
نتيجة لهذا، ترسخت الرغبة في التمرد والعصيان الآن في المجتمع الفرنسي. وقد تملق اليسار واليمين السترات الصفراء بلا خجل، ودون تقديم إجابات حقيقية. وربما يكون الرابح حزب الحشد الوطني اليميني المتطرف (الجبهة الوطنية سابقا) بقيادة مارين لوبان. وبدلا من ذلك، ربما ينتهي المطاف بحركة السترات الصفراء إلى تأسيس حزب خاص بها قبل انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو/أيار. ولكن ليس من الواضح إلى أي شيء قد يرمز مثل هذا الحزب. تشير الأدلة السردية إلى أنه في حين تتمتع الحركة بقاعدة عريضة اجتماعيا وسياسيا، فإن الأنشطة داخلها أقرب إلى اليمين المتطرف وتضم أنماطا معادية للسامية ومعادية للمسلمين صراحة.
تقاسم الناس من مختلف الأطياف السياسية ذات الغضب في الشوارع. وقد وجدت شريحة كاملة من المجتمع الفرنسي التي شعرت بأنها غير ممثلة وغير مرئية تقريبا لوناً يمثلها وبدأت تبني هوية خاصة بها. والسؤال الآن هو ما إذا كانت الحركة لتجد لنفسها صوتاً سياسياً، وإذا وجدته فأي الأصوات قد يكون.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.