الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
05:11 ص بتوقيت الدوحة

فرق التعليم بين «جورجيت» و«حكمت»

سحر ناصر

الخميس، 04 أكتوبر 2018
فرق التعليم بين «جورجيت» و«حكمت»
فرق التعليم بين «جورجيت» و«حكمت»
تحت عنوان: «تعزيز حرية التدريس وتمكين المعلّمين»، ينطلق غداً في 5 أكتوبر، الاحتفال بـ «اليوم العالمي للمعلّمين»، في مبادرة تقوم بها منظمة «اليونيسكو» منذ عام 1994. لن أسرد في هذه المناسبة أبيات الشعر عن أهمية المعلّم ودوره في بناء الإنسان، ولن استعرض إنجازات الدول في مجال التعليم. وإنما سأعود اليوم إلى مقاعد المدرسة لأحكي لكم بعضاً من التجارب القصصية مع المعلّمين، والتي تركت آثاراً في نفوسي وفي نفوسنا جميعاً منها السلبي والإيجابي.
من القصص الجميلة التي يمكن أن نبدأ بها في الطفولة، هي أنني كنتُ مضطرة في عُمر الـ8 سنوات، إلى أن أُحسن التمييز بين «أمّي» و»معلّمتي»، وألا أنادي «معلّمتي» أُمي، وإلا سأُطرد خارج الصفّ.. فأمي كانت معلّمة اللغة العربية في صفّنا. وعلى الرغم مما يعتبره أغلب الأطفال حظاً، لطالما اعتبرته عبئاً، حيث إنني كنتُ بحاجة لبذل مجهود إضافي عن سائر زملائي، ربّما لأنها كانت تتابعني عن كثب! والمجهود الأكبر أنني لم أنل في ذلك العام أي علامة كاملة في الإملاء والقواعد العربية، لأن أمّي كانت تُفضّل إعطاء زميلتي «داليا» العلامة الكاملة، حتى لا يُقال بين المعلمين والطلاب إن العلامة الأولى لابنتها!
في قصّة مؤلمة لطفلة في العاشرة من عمرها، وما زالت آثارها مستمرة، هي تلك «الصفعة» -أو ذاك الكفّ- المفاجئة التي نزلت على خدّي الأيمن كالصاعقة، من الأستاذة «جورجيت»، معلّمة الرياضيات. والصفعة الرنّانة كانت بسبب عجزي عن حلّ مسألة في مادة الرياضيات كُتبت على اللوح الأخضر بالطبشور الأبيض الذي أزالت الدموع جزءًا منه. هذه الصفعة زادت قناعتي بعدم جدوى ما يُدّرس لنا في مادة الرياضيات وقتها، والدليل أن المدارس تسمح اليوم لطلابها باستخدام الآلة الحاسبة في امتحاناتهم، وبرامج أخرى لم نعرف منها يوماً سوى «المسطرة» المكرسة لحفظ جدول الضرب. في الواقع، قد تكون صفعة «جورجيت» مفيدة، لأنني اليوم غدوتُ تلك الشخصية التي أترك الحسابات على الله، وأستمتعُ بصفر الشمال مع فنجانٍ ساخن من القهوة! في الثانوية بعُمر الـ16، كان «حكمت» أستاذ التاريخ هو الشخصية المفضلّة، فلم نكن نحفظ غيباً أسباب الحروب العالمية وآثارها، ولا توصيات المؤتمرات وتواريخها، بقدر ما كُنّا نُدّرس في صفّه عصارة التاريخ، حيث كان يأخذنا في جولة فكرية ممتعة، نرصد فيها تأثير هذه الأحداث على خريطة العالم، وأسباب إخفاقات الأمم وإنجازاتها؛ حتى إنه في امتحان نهاية السنة، طرح علينا أسئلة متعلقّة بدور المرأة في العصور القديمة، في سؤال تحليلي يستند إلى أحداث تاريخية، وأذكر ذلك اليوم الذي كان ينادينا فيه بأسمائنا الكاملة ليمنح لنا ورقة الامتحان مع العلامات المكتوبة بقلم اللون الأحمر الذي يستخدمه.
هنا.. دقات القلب تسارع، والزميلات استلمن أوراقهنّ.. وورقتي ما زالت مقلوبة على طاولته، باحثاً عن صاحبتها! تبادر حينها إلى ذهني أن -»الصفعة أو «الكفّ» من الأستاذ حكمت صاحب القامة الطويلة، ستؤدي إلى ارتجاج دماغي مستقبلي-! لكن المفاجأة كانت بوضعه علامة برّاقة، وملاحظة محفزّة جداً باللون الأحمر، وتهنئةٍ، ودعوة للاستمرار في «الفلسفة» أو الابتكار -تُقال لمن يسأل كثيراً ويحاول فهم الكثير من الأحداث- هذه الورقة دفعتني إلى اختيار دراسة العلاقات الدولية، بما تتضمنه من مواد التاريخ، والسياسة، وعلم الاجتماع، وعلم سلوك الإنسان، ومحور هذا التخصص هو الترابط بين الظواهر ومحاولة تفسيرها.
في اليوم العالمي للمعلّمين
شكراً للأستاذة والدتي معلّمة العربية..
شكراً لأستاذة جورجيت للصفعة التي علّمتني ألا أحب الضرب والقسمة.
وشكراً للأستاذ حكمت الذي علّمني أن في التاريخ حكمة وفي «الابتكار» قوّة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.